ابن الجوزي

292

زاد المسير في علم التفسير

يستحلون أكل ذبائحهم ، فأعلم الله عز وجل أن ذلك جائز ، غير أن هذا إنما يكون في الهدي المتطوع به ، فأما دم التمتع والقران فعندنا أنه يجوز أن يأكل منه ، وقال الشافعي : لا يجوز ، وقد روى عطاء عن ابن عباس أنه قال : من كل الهدي يؤكل ، إلا ما كان من فداء أو جزاء أو نذر . فأما " البائس " فهو ذو البؤس ، وهو شدة الفقر . قوله تعالى : * ( ثم ليقضوا تفثهم ) * فيه أربعة أقوال : أحدها : حلق الرأس ، وأخذ الشارب ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وقص الأظفار ، والأخذ من العارضين ، ورمي الجمار ، والوقوف بعرفة ، رواه عطاء عن ابن عباس . والثاني : مناسك الحج ، رواه عكرمة عن ابن عباس ، وهو قول ابن عمر . والثالث : حلق الرأس ، قاله مجاهد . والرابع : الشعر ، والظفر ، قاله عكرمة . والقول الأول أصح ، لأن التفث : الوسخ ، والقذارة : من طول الشعر والأظفار والشعث . وقضاؤه : نقضه ، وإذهابه . والحاج مغبر شعث لم يدهن ، ولم ويستحد ، فإذا قضى نسكه ، وخرج من إحرامه بالحلق ، والقلم ، وقص الأظفار ، ولبس الثياب ، ونحو ذلك ، فهذا قضاء تفثه . قال الزجاج : وأهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير ، وكأنه الخروج من الإحرام إلى الإحلال . قوله تعالى : * ( وليوفوا نذورهم ) * وروى أبو بكر عن عاصم : " وليوفوا " بتسكين اللام وتشديد الفاء . وقال ابن عباس : هو نحر ما نذروا من البدن ، وقال غيره : ما نذروا من أعمال البر في أيام الحج ، فإن الإنسان ربما نذر أن يتصدق إن رزقه الله رؤية الكعبة ، وقد يكون عليه نذور مطلقة ، فالأفضل أن يؤديها بمكة . قوله تعالى : * ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) * هذا هو الطواف الواجب ، لأنه أمر به بعد الذبح ، إنما يكون في يوم النحر ، فدل على أنه الطواف المفروض . وفي تسمية البيت عتيقا أربعة أقوال . أحدها : لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة . روى عبد الله بن الزبير ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما سمى الله البيت : العتيق ، لأن الله أعتقه من الجبابرة ، فلم يظهر عليه جبار قط " وهذا قول مجاهد ، وقتادة . والثاني : أن معنى العتيق : القديم ، قاله الحسن ، وابن زيد . والثالث : لأنه لم يملك قط ، قاله مجاهد في رواية ، وسفيان بن عيينة . والرابع : لأنه أعتق من الغرق زمان الطوفان ، قاله ابن السائب وقد تكلمنا في هذه السورة